محمد أبو زهرة

612

زهرة التفاسير

ثانيهما : إنه روى أن عمر رضي الله عنه قد نهى الناس عن التمتع والقران ، وقد روى ذلك البخاري « 1 » وغيره ؛ ولعله لم يفعل ذلك تحريما لما اعتبره النبي صلى اللّه عليه وسلم وجاء به القرآن ؛ بل فعل من قبيل السياسة العامة ؛ لأنه رأى الناس يزدحمون في موسم الحج ويمكثون أمدا طويلا لجمعهم بين العمرة والحج في أشهره ، ثم يخلو البيت من الناس طول العام ؛ فأمرهم - سياسة لا دينا - أن يفردوا بالحج ليعتمروا في أثناء العام ، ويكون للبيت الحرام أفئدة من الناس تهوى إليه طول العام ؛ ولم يوافق عمر أحد على ما رأى . والله أعلم بالصواب . وقد ذكر الله سبحانه وتعالى التحلل من الإحرام للمتمتع والقارن ، فقال : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ أي يطلب اليسير من النعم وهو الشاة ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ . هذه هي العبادة التي تحل محل النسك ، وهي الصيام ، فقامت العبادة الروحية مقام العبادة المالية ؛ لأن كلتيهما تلتقى عند غاية واحدة ، وهي تهذيب النفس وإصلاح المجتمع ؛ ولقد جعل الله سبحانه الصيام على مرحلتين : إحداهما : وهي الأقل - تكون في الحج ، وهي ثلاثة أيام ؛ وذلك لأن الحج مشقة ؛ فلكى يكون سهلا في أدائه على ذوى الفقر جعل أقل الصيام فيه ، فلا يجمع بين مشقة الصيام ومشقة الحج ، وهو سفر فيه مشقة .

--> ( 1 ) روى الأئمة أن عثمان بن عفان نهى عن التمتع والقران ، ومن ذلك ما رواه البخاري : عن مروان بن الحكم قال : شهدت عثمان وعليا - رضى اللّه عنهما - وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما ، فلمّا رأى علىّ أهلّ بهما : لبّيك بعمرة وحجّة قال : ما كنت لأدع سنّة النّبىّ صلى اللّه عليه وسلم لقول أحد . [ البخاري : الحج - التمتع والإقران والإفراد بالحج ( 1461 ) ] . أما عمر فقد روى النسائي عن ابن عبّاس قال : « سمعت عمر يقول : واللّه إنّى لأنهاكم عن المتعة وإنّها لفى كتاب اللّه ، ولقد فعلها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . يعنى العمرة في الحجّ » . قلت : يعنى أنه لم يقصد بذلك النهى مخالفة الكتاب والسنة إلى غيرهما ، وإنما أمر بالإفراد ، وهو من أنواع الحج المعتبرة بالكتاب والسنة ؛ لما رأى في ذلك مصلحة المسلمين . فهذا اجتهاد عمر وعثمان وعلى وكلهم مهديون راشدون رضي الله عنهم .